هل تقبلين أن تكوني أمي

 

1
عندما يأتي أيلول
يتغير الطقس في عينيك بشكل مفاجىء
ينقط المطر على زجاج قلبي
ويتغير نسيج عواطفي
وشبكة أعصابي
وفصيلة دمي
وتستيقظ غرائزي الكتابية
على رائحة العشب ، والأنوثة ، والزعتر البري
وتتغير هوية البحر الأبيض المتوسط
يصبح بحرا آخر
لا هو أبيض
ولا هو أزرق
ولا هو متوسط .

2
عندما يأتي أيلول
ألفك على جسدي
كقطة نادرة من ( الأوبوسون )
وأنام مطمئناً
على مستقبل الشعر
ومستقبل الحضارة . .

3
عندما يأتي أيلول
ألبسك قميصاً من الضوء السائل
والبروكار الدمشقي
وأدرُزك دَرزاً
بصلواتي . . وقبلاتي . .
وخيوط كلماتي . .
من قمة رأسك إلى أصابع قدميك . .
ومن قطبك الشمالي . . إلى قطبك الجنوبي . .
ومن مرتفعاتك الثلجية . . إلى أقاليمك الاستوائية .
ومن شاماتك المرسومة بالحبر الصيني
إلى نهدك الذي ما زال منذ عرفته
تلميذاً في دار الحضانة !!

4
عندما يأتي أيلول
تعيشين أنوثتك في أبهى لحظاتها
وأعيش رجولتي . . في ذروة رجولتها . .
وأسترجع تراثي البدوي . .
حيث تختلط في ذاكرتي
رائحة دشداشتك . .
برائحة الرند والعرار . .
ونكهة فمك . .
بنكهة البن العدني الممزوج بحب الهال . .
وإيقاع صوتك
بإيقاع الربابة . .

5
عندما يأتي أيلول
تصبحين امرأة ثانية
بمواصفات جديدة
وخطوط هندسية جديدة
ودوائر . . ومربعات جديدة . .
وأجلس على طرف السرير
لألتقط صور تذكارية
للانفجار الكوني العظيم
ومشاهد يوم القيامة . . .

6
عندما يأتي أيلول
اسمع تحت جلدي موسيقى المياه الجوفية . .
وأكتشف أن حبي لك . .
هو جزء من حركة الفصول
وكيمياء الأرض ،
وانبثاق الينابيع ،
وارتفاع السنابل ،
وتحولات البحر ،
وحرية المراكب ،
وليبرالية العصافير ،
أشعر أن حبي لك ..
هو الفصل الأجمل في كتاب العشق
والكلمة الأولى في سفر التكوين .

7
عندما يأتي أيلول .. لا تنتظري مني
أن أحبك على طريقة الشعراء العذريين ..
أو على طريقة المجاذيب .. والمتصوفين ..
و لا أن أقبل يديك كدبلوماسي محترف ..
فلقد كسرتُ طبلة الدبلوماسية منذ زمن بعيد
ورميت قفازتي البيضاء ..
وقبتي المنشاة .. ولغتي المنشاة ..
وقررت أن أواجه شفتيك مباشرة
بلا مقدمات ، ولا أسئلة ، ولا دليل سياحي
ولا ترجمان لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة .
لأن الترجمة بين رجل و امرأة ..
هي وقت ضائع ..
ومهمة مستحيلة ..

8
عندما يأتي أيلول
أشعر برغبة قوية
للعودة جنيناً إلى رحم أمومتك ..
حيث رائحة القرفة ، واليانسون ، وجوزة الطيب .
والحليب المُرَقــَّد ، ومربى النارنج ، والصابون
النابلسي ..
عندما يأتي أيلول ..
أشعر برغبة طفولية قاهرة ..
للاختباء في تجويف يديك الصغيرتين ..
وتمزيق كل الجوازات المزورة التي أحملها ..
والعودة إلى أصلي ..

قصيدة هل تقبلين أن تكوني أمي للشاعر الكبير نزار قباني