هل تجيئين معي إلى البحر ؟

نزار قباني ديوان هكذا أكتب تاريخ النساء

1
هل تجيئينَ معي إلى البحر ؟
هل تهربين معي من الزمن اليابس ِ إلى زمن الماءْ
فنحنُ منذُ ثلاثِ سنينْ
لم ندخلْ في احتمالات اللون الأزرقْ
لم نمسكْ بأيدينا ..
أفقاً ..
أو حلماً .. أو قصيدهْ ..
لقد جعلتنا الحربُ الأهلية ُ حيوانين ِ برِّيينْ
يتكلمان ِ دونَ شهيهْ ..
ويتناسلان ِ دونَ شهيهْ
ويلتصقان ِ ببعضهما بصمغ العادات المكتسبهْ
قهوتي التركية ُ عادة ٌ مكتسبهْ ..
وحمامكِ الصباحي عادة ٌ مكتسبهْ .
ولونُ مناشفكِ عادة ٌ مكتسبهْ ….
فماذا لا تلبسينَ قبعة الشمس ؟
وتأتينَ معي ..
إنني ضجرتُ من هذه العلاقة الأكاديميهْ
التي أعطتكِ شكلَ النساء المتزوجاتِ دونَ حبّ
وأعطتني ..
شكلَ القصيدة العموديهْ …
* * *
2
كل الأشياء بين يدينا ..
هشة ٌ .. وقابلة ٌ للكسرْ ..
كل أيام الأحدْ ..
تتشابهُ كمنشور ٍ سياسيّ
كل أنواع الكحول ْ ..
لها مذاق ٌ واحدٌ .. ومفعولٌ واحدْ
كل الطرقاتِ إلى نهديكِ
تؤدي إلى الانتحار ..
فلماذا .. لا نخرج إلى البحرْ ؟
إنّ البحرَ لا يكرر نفسهْ ..
ولا يعيد كتابة َ قصائدهِ القديمهْ ..
البحرُ .. هو التغيرُ والولادهْ ..
وأنا أريدكِ أن تتغيري .. وأن تغيريني ..
أريدُ أن ألدك .. وأن تلديني ..
أريدُ أن تنقشي بالخط الكوفي على جلدكْ
كما تنقش المرأة العاشقة ُ ..
إسمَ رجلها على صدرها ..
قبلَ أن يذهبَ إلى الحربْ ..
أريدُ أن أمشي معكِ في شارع الشعرْ ..
وأنام معكِ تحت شجر الشعرْ ..
وأضعَ في يديكِ الصغيرتين ِ أساورَ الشعرْ ..
أريدُ أن أطلقَ سراحكِ من هذه الزنزانة العربيهْ
التي أعطتكِ شكل النساء المتزوجات دون حب ..
وأعطتني شكلَ القصيدة العموديهْ …
3
لقد انفجرتْ بيروتُ بين أصابعي ..
كدواة ٍ بنفسجيهْ ..
ودخلتْ شظاياها في صوتي وفي أوراقي ..
فساعديني على ترميم وجهي ..
وترميم لغتي
فاللغة قطارٌ ليليّ بطيء
ينتحر فيه المسافرونَ من شدة الضجرْ
فتعالي نطلق ِ النارَ على الأحرف الأبجديهْ ..
ألا يمكنني أن أحبكِ خارجَ المخطوطات العربيهْ ؟
وخارجَ الفرمانات العربيهْ ..
وخارجَ أنظمة المرور العربيهْ ..
وخارجَ الأوزان العربيهْ ..
فعولنْ مفاعيلنْ فعولنْ مفاعيلنْ ..
ألا يمكنني أن أجلس معكِ في الكافيتيريا ؟
دون أن يجلس معنا أمرؤ القيسْ ؟
فعولنْ مفاعيلنْ فعولنْ مفاعيلنْ ..
ألا يمكنني أن أدعوكِ للرقصْ ؟
دون أن يرقصَ معنا البحتريْ ..
فعولنْ مفاعيلنْ فعولنْ مفاعيلنْ ..
ثمّ .. ألا يمكنني أن أوصلكِ إلى منزلك في آخر الليل ..
إلى بحراسة رجل ِ المخابرات عنترة العبسي ..
آهٍ .. كم هو متعبٌ أن أتغزل بعينيكِ ..
وأنا تحت الحراسهْ ..
وأتجولَ في ليل شعرك .. وأنا تحت الحراسهْ ….
آهٍ .. كم هو متعبٌ ..
أن أحبكِ بين فتحتين ِ ..
أو همزتين ِ ..
أو نقطتين ِ ..
فلماذا لا نرمي بأنفسنا من قطار اللعنهْ .؟
ونتكلم لغة البحرْ ؟
4
هل تجيئين معي إلى البحرْ ؟
لنحتمي تحت عباءته الزرقاءْ ..
هل أبوحُ لكِ بسرّ صغيرْ ؟
إنني أصيرُ قبيحاً عندما لا أكتبْ ..
وأصيرُ قبيحاً عندما لا أعشقْ ..
فساعديني على استعادة المجدينْ ..
مجدِ الكتابةِ .. ومجدِ العشقْ ..
5
هل تدخلينَ معي في احتمالات اللون الأزرقْ ..
واحتمالات الغرق والدوارْ ..
واحتمالات الوجه الآخر للحبْ ..
لقد دمرتني العلاقة ُ ذات البعد الواحدْ
والحوارُ ذو الصوت الواحدْ ..
والجنسُ ذو الايقاع الواحدْ ..
لقد تفككَ الزمنُ بين أصابعنا
وتفككتْ عناصرُ عينيكِ ..
إلى ليل ٍ .. ورمل ٍ .. وماءْ ..
فساعديني على لملمتكِ ..
ولملمة شعركِ الذي ذهبَ ولم يترك لي عنوانهْ ..
ساعديني على تشكيل اسمكْ ..
فأنا أركضُ .. وهو يركضُ أمامي كدجاجةٍ مذبوحهْ ..
ساعديني في العثور على فمي ..
فقد أخذتِ الحربُ دفاتري وخربشاتي الطفوليهْ
أخذتِ الكلماتِ التي كان يمكن أن تجعلكِ أجملَ النساءْ
والكلماتِ التي كان يمكن أن تجعلني أعظمَ الشعراءْ ..
فلماذا لا تخلعين جلدكِ ..
وتلبسينَ جلدَ البحرْ ؟
لماذا لا تخلعينَ طقسكِ المعتدلْ ؟.
وتلبسينَ جنوني ..
لماذا لا تخلعينَ ثوبَ الغبار .. وتلبسينَ أمطاري ؟..
لقد تكدسَ على شفاهنا شوكٌ كثيرٌ .. وضجرٌ كثيرْ ..
فلماذا لا نثورُ على هذه العلاقة الأكاديميهْ ..
التي أعطتكِ شكلَ النساءِ المتزوجاتْ ..
وأعطتني شكلَ القصيدة العموديهْ !!..

قصيدة هل تجيئين معي إلى البحر ؟ للشاعر الكبير نزار قباني