نزار قباني: زنديق أم «حبيب الله» !

أثارت ذكرى وفاة الشاعر السوري نزار قباني الثانية والعشرين (30 نيسان/إبريل 1998) موجة جديدة من الجدل، وتركّز الجانب السلبيّ من النقاش، على مساري الشعر والسياسة، فقام البعض بهجاء جوانب من شعره، وأشار آخرون إلى نقائصه ومعايبه السياسية، ولم يخل الأمر من مستعينين على إنقاص قيمة شعره، أو آرائه السياسية في قضايا شخصية وسلوكية، وتركيب أفكار شخصيات القصائد على كاتبها.
توزّع الهاجون على طائفتين رئيسيتين، «طائفة علمانية» تؤكد أن مواقفه الشعرية من المرأة كانت رجعية، وأن مواقفه السياسية كان فيها محاباة ونفاق للطغاة، و»طائفة لاهوتيّة»، تؤكد أنه زنديق فاجر وملحد ووثني.
استعرضت الطائفتان المتناحرتان في المضمون، والمتشابهتان في التزمت، في سبيل إثبات هذه الاتهامات المتناقضة، جدول اتهامات عبر فلترة انتقائية، وتجميع لشواهد مستمدة من شعره وكتبه، مفصولة عن سياقها ومعناها، وكذلك من الذكريات والمرويّات وحكايات الأدباء والفقهاء والناشطين.
تركزت إحدى الدعاوى المتكررة حول إنكار توصيف هزيل لقباني يعتبره «شاعر المرأة»، وقد عدّد أحد التعليقات الطويلة على «فيسبوك» عريضة اتهامات تؤهل لسحب اللقب من الشاعر بأنه «لم يتردد في دخول بيوت الدعارة»، وأنه نعت حبيبته بالرخيصة، عندما قررت هجره، وأنه بعد مقتل زوجته بلقيس بفترة كتب قصيدة «هل عشقت امرأة قبلك يا فاطمة؟»، إلخ. ولعلّ أكثر الانتقادات شيوعا هي التي تحاسب قباني على قصيدته الشهيرة «الرسم بالكلمات» التي يتحدث فيها على لسان شهريار عن تفصيله من «جلد النساء عباءة» وبنائه «أهراما من الحلمات».

متزلف مستجير بالسلطة ومقلّد؟

في واحدة من المقالات التي تسعى لتثبيت تهمة الزندقة على قباني، عرض الكاتب «اعترافات» موثقة لقباني على شاكلة قوله: «من أين يأتي الشعر يا قرطاجة والله مات وعادت الأنصاب؟»، وقوله: «رأيت الله مذبوحا على أيدي رجال البادية»، وقوله: «من بعد موت الله مشنوقا على باب المدينة لم تبق للصلوات قيمة»، وقوله: «لأني أحبك يحدث شيء غير عادي في تقاليد السماء. يصبح الملائكة أحرارا في ممارسة الحب ويتزوج الله حبيبته في السماء» إلى آخر قائمة الاقتباسات، إضافة إلى محاكمة الصوابية السياسية political correctness لأفكاره، والقراءة «الشرعيّة» لأشعاره، تعاد، كل سنة، محاكمات سياسية لقباني، تستعاد فيها آراء متناقضة له في جمال عبد الناصر، من هجائه العنيف له، إلى رثائه حين مات باعتباره «آخر الأنبياء»، ويستعاد أمر حضوره لمهرجان المربد في ظل حكم صدام حسين، وتقتبس أقوال له في مديح حافظ الأسد (وحتى باسل الأسد)، وينتقل الأمر إلى سلوكياته الشخصية، فيستعيد الشاعر العراقي سعدي يوسف، على سبيل المثال، من ذكرياته قولا ينسبه للروائي السوري الراحل عبد السلام العجيلي بأن قباني «رجاه» أن يعيّنه في وزارة الخارجية السورية، ويعلّق سعدي بعد ذلك بالقول إن قباني «ظل في السلك الدبلوماسي السوري حتى تقاعده»، وإنه حين ضاق ذرعا بسطو أحد الناشرين على كتبه «أرسل مفرزة من «قوات الردع» ليصادروا النسخ المزورة من كتبه ويحبسوا أكرم الطباع أياما معدودات»، ثم يختتم المقالة، فلا يختار من كل قصائده قصيدة يعجب فيها غير «مع جريدة» المتأثرة بقصيدة للشاعر الفرنسي جاك بريفير معلّقا: «وماذا؟ أليس الفن تعلما دائبا؟»، فيحيله إلى متزلّف، ومستجير بالسلطة القمعية، ثم إلى شاعر مقلّد لآخر فرنسي!

شاعر كبير وثريّ كبير!

ويذكر الكاتب والناقد اللبناني جهاد فاضل، لوم كثيرين لطلب نزار من المغنين والملحنين «حقوقا مادية»، أو «حقوق الملكية الفكرية» مقابل غناء قصائده، فيرى أنه «لم يكن أحد يصدق أن شاعرا رفيع المقام عالي الجناب، يطالب بدراهيم أو ملاليم أو حتى بألوف وملايين»، وأن كثيرين اعتبروا مطالبته بحقوقه «حديثا مخجلا» فهو «شاعر كبير وثريّ كبير».
هناك معارك شهيرة سجّلها تاريخ قباني الأدبي بينها، معركة قصيدة «خبز وحشيش وقمر» التي أثارت عليه بعض رجال الدين في سوريا، فطالبوا بطرده من السلك الدبلوماسي، وانتقلت المعركة للبرلمان، حيث كانت قصيدته بندا للمناقشة، وهناك معركة قصيدة «هوامش على دفتر النكسة»، التي أحدثت عاصفة كبيرة وجدلا بين العموم والمثقفين، فصدر قرار بمنع إذاعة أغاني نزار وأشعاره في الإذاعة والتلفزيون، وفي عام 1990 أصدرت وزارة التعليم المصرية قرارا بحذف قصيدته «عند الجدار» من مناهج الدراسة «لما تتضمنه من معان غير لائقة»، وهناك معركته مع أدونيس في أوائل السبعينيات، الذي شن عليه هجوما عنيفا، فرد نزار بمقال أعنف وكادت الأمور تصل إلى المحاكم.
كان أول تواصل لي مع قباني حين توفّي الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري (26 تموز/يوليو 1997) فطلبت منه تصريحا نشرناه في الصفحة الأولى من «القدس العربي»، ووصف فيه الشاعر الراحل بالمعمار السومري البابلي العباسي، وما لبث قباني نفســه أن مرض في تشـــرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، فأنجــــزت ملفا نشــــر في «القـــدس العربي» على مدى خمسة أيام، شارك فيه عشرات من النـــقاد والشعراء والكتاب وكان ذلك أشبه باستفتاء هائل على القيمة الرمزية الكبيرة التي يشكّلها إنجاز قباني الإبداعي لدى النخبة الفكرية والإبداعية العربية.

درويش: قباني أحد أشكال توحيد العرب

ما لبث قباني أن توفّي بعد أشهر فأصدرنا صفحة تأبين أدبي له تصدّرها رأي لمحمود درويش، أشار فيه إلى الاختلاف على قباني، وإلى أنه، في الوقت نفسه، كان «أحد أشكال توحيد العرب حول مفهومهم التقليدي للشاعر، وجعله معبرا عن حياتهم العامة والعاطفية»، معتبرا أنه «كان أكثر الشعراء العرب في القرن العربي تواجدا في الذائقة الجمالية العامة وتعميم الشعر على جميع المستويات الاجتماعية». ظهرت هذه المفارقات والاختلافات مجددا في جنازة قباني التي شيّعته في مسجد «ريجنتس بارك» حيث حاول بعض المتعصبين إثارة الجلبة لمنع الناس من الصلاة عليه، بدعوى أنه كافر، فيما تحوّلت جنازته الثانية في دمشق إلى ما يشبه مظاهرة سياسية شعبية كبيرة ضد النظام، فكانت استثنائية بجمهورها الكبير، وبضمها الرجال والنساء، وردّد فيها المشيّعون شعارات كان بينها «لا إله إلا الله نزار حبيب الله»، فيما قام بعض رجال الأمن بهتاف يريد أن يمحو ويعاكس الحدث: «بالروح بالدم نفديك يا حافظ»!
نشرت مجلة «الكرمل» عام 1988 ملفّا أشرف عليه الشاعر السوري سليم بركات، الذي شارك في كتابة الأسئلة مع الشعراء والكتاب اللبنانيين، محمد علي شمس الدين، وبسام حجار، وعلوية صبح ومحمد أبي سمرا، قال بركات في مقدمته إن قباني «وحد من حوله مفارقات هائلة في التاريخ الراهن».
إذا أخذنا في الاعتبار رأي قباني نفسه إذن سنجد أن معاركه واختلافاته جرت لكونه شاعرا كبيرا، وبهذه الصفة فقد تعامل مع الأفكار خارج أماكن المعتاد والتقليديّ في العواطف واللغة والسياسة، أما عدم تخصيصه حكاما وتحوّله إلى مناضل سياسي سجين، فلأن العلاقة مع الطغاة برأيه ليست «مواجهة جسدية» لأن «الشاعر ليس مجموعة من العضلات، بل طاقة روحية هائلة، وسلطة فكرية تتقدم على كل السلطات». لم ير الشاعر غضاضة في أن يكون «القديس والشيطان والمحافظ والليبرالي والأصولي وغير الأصولي، والقانوني والخارج على القانون، والحضاري والبدوي، والتاريخي والهارب من مقبرة التاريخ»، وذلك لأنه إنسان «من لحم ودم»، ولأن الشاعر الذي لا يتناقض هو «معلم حساب في مدرسة ابتدائية».

حسام الدين محمد 

القدس العربي

اترك رد