من يوميات رجل نصف مجنون

1
بعد تاريخ من النرجسية
لا ضفاف له ..
وتاريخ من التعددية ..
والشهريارية ..
والراسبوتينية ..
يلاحقني حيث ذهبت .
أشعر برغبة في تجميل صورتي لديك ،
و الاعتذار عن ماض ٍ لم تكوني فيه …
وعن حماقات لم ترتكبيها ..
عن قصائد حب مجنونة
لم تشتركي في كتابتها …

2
بعدما تخليتُ عن هواياتي الأولى
في جمع الطوابع …
وجمع التحف القديمة ..
وجمع النساء الجميلات …
وبعدما ضجرتُ من جسدي
ومن سيوفي الخشبية
ومعاركي الدونكشوتية
وإقطاعاتي التي لا يغيب عنها النهد …
أطرق بابك لاجئاً شعرياً
مطروداً من جميع فنادق العالم .
حتى أقول لك :
بأنك الأنثى الأخيرة .
والمحطة الأخيرة .
والطلقة الأخيرة .

3
لا حاجة لارتداء الملابس المسرحية
أو للتنكر ، يا سيدتي .
فأنا مكشوف على الجهات الأربع ..
وتاريخي معلق على جدران الجرائد العربية ..
وأسماء حبيباتي .. تبث على كل الموجات
عن طريق الأقمار الصناعية .

4
كيف أقنعك ..
بطهارتي ، وطفولتي ، وصوفيتي ؟
وسيرتي الذاتية ، معروضة في كل المكتبات
وتعرفها حتى القطط .. والأسماك ..
والعصافير …

5
كيف يمكنني أن أكون حبيبك ؟
بعد كل هذا التاريخ الذي لا يمكن تجميله ،
ولا ترميمه ..
ولا غسيله بأي مسحوق من مساحيق الغسيل ..

6
كيف أقنعك يا سيدتي ؟
بعدالة قضيتي .
بعد كل هذا التاريخ المضرج بالفضيحة ..
من أول سطر ، حتى آخِر سطر فيه ..
والموثق بمحاضر البوليس ،
ومطالعة النيابة العامة ،
وإفادات ألوف النساء ؟؟

7
كيف يمكن أن تصدق امرأة مثلك
رجلاً مثلي ؟
يحمل على كتفيه ،
خمسين عاماً من الشعر ..
وخمسين عاماً من الجنون ..
ومليون امرأة !!

8
كيف يمكن لامرأة مثلك ..
أن تحب رجلاً مثلي
يقترف كل يوم
قصيدة جديدة ..
وحبيبة جديدة ؟ .

9
إن مشكلتي معك ..
هي أنني لا أستطيع أن أكون سرياً .
فأنا أفرز كلمات الحب
كما تغزل شرنقة الحرير خيوطها ..
وكما تصنع النحلة عسلها ..

10
هل تسمحين لي أن أحبك ؟؟
قد يكون سؤالي مضحكاً
و اعترافاتي قد تأخرت ثلاثين عاماً .
ومع هذا ..
أدخل عليك ، بلا استئذان
لأرمي سلاحي على قدميك ..
وأعطيك مفاتيح مملكتي .

11
أنا لا أريدك أن تتورطي معي
في أي مشروع عاطفي .
فأنا أعرف أن سوابقي كثيرة
وأن سمعتي في المدينة ليست طيبة الرائحة ..
كما أعرف أن ملفي النسائي بين يديك
سوف ينفجر في أية لحظة .
كل هذا أعرفه.
غير أنني أرجوك أن تعطيني فرصة أخيرة
كي أقول : أحبك ..
ولو لمرة واحدة ..
حتى أبلل حنجرتي ..
و أسقي أزاهير رجولتي …

12
هل تسمحين أن …
هل تسمحين أن ..
إنني لا أنتظر جواب أسئلتي .
فالنساء هن مجموعة من الأسئلة
لا يعرف جوابها ..
إلا الله …

قصيدة من يوميات رجل نصف مجنون للشاعر الكبير نزار قباني

Originally posted 2018-09-11 17:45:37. Republished by Blog Post Promoter