لا ثقافة لرجل لا يعشق !! ..

1
كل كتابة هي أنثى .
ولو كتبها رجل !! …
وكل ثقافة ، لا يعتد بها
إذا لم تتشكل في رحم امرأة ..
لذلك ، سميت الوردة وردة ..
واللوحة لوحة ..
والمنحوتة منحوتة ..
والقصيدة قصيدة ..
والرواية رواية ..
والسمفونية سمفونية ..
وفي حين كان الرجل يعلن الحرب ..
كانت المرأة تعلن الحب ..
وتصنع القصائد والأطفال !! .

2
الشاعر الذي يقول لك :
إن شيطانه ذكر …
مصابٌ بانحراف جنسي !! .

3
والكاتب الذي يقول لك :
إن كل مؤلفاته
تعبق برائحة الذكورة ..
هو كاتبٌ لم يكتب شيئاً ..

4
إن المثقفين الذي يمارسون الحب
مع النصوص ..
وينامون مع المخطوطات ..
ويستخرجون النساء من بطن القواميس ..
هم عشاق مختبرات ..
ومثقفو أنابيب !! ..

5
اللغة التي أكتب بها .
ليست من صياغتي وحدي .
بل هي تطريز يديك الطريتين ..
كخيطان غزل البنات ..
والمعجونتين بعسل الشمع ..
وماء الزهر ..
وحلاوة قصب السكر ..

6
لغتي خاتم من الفيروز ..
تلبسينه في الحفلات العامة
كشمس في أصابعك ..
فيحسبك الساهرون منارة بحرية ..
ويرون النهار قبل ولادة النهار ..

7
لغتي .. هي فضيحتك الجميلة ..
فإلى أين تهربين ؟
من إيقاع حروفي
وسلطة قصائدي ؟؟ ..

8
اللغة التي أكتب بها .
هي ذات اللغة التي أحبك بها .
لغة مائية جداً .
شامية جداً .
مدللة جداً .
فيها شيء من زغب الحمام .
وطفولة الياسمين .
وبكاء النوافير الدمشقية .
عندما تكون في حالة عشق …

9
لغتي أنت التي تصحبني
من مطار لمطار
مثل أشياء السفر .
لغة ألبسها صيفاً .. شتاء
فوق جسمي ..
مثل أوراق الشجر …

10
لغة الحب التي أكتب بها .
لم تخرج لي كالقمقم السحري من البحر ..
أو من جراب الساحر ..
ولا عثرتُ عليها كمخطوطة قديمة في أحد المزارات ..
بل تعلمتها على يديك ..
حرفاً حرفاً … سطراً سطراً ..
جملة جملة .. قبلة قبلة …

11
هذه اللغة الجميلة .
التي أتزين بها ، كطاووس إفريقي
تشكلت كشرنقة الحرير على أشجار نهديك ..
هذه اللغة الاستثنائية ، الدائمة الدهشة والتوتر
هذه اللغة الشعرية ، المتوحشة ، الرديكالية ..
هي من صياغتنا المشتركة ، أنت وأنا …
فمرة غزلناها بخيطان الكلمات ..
ومرة بخيطان الشهوات ..
ومرة بخيطان التطرف والجنون !! .

12
صعب عليَّ أن أميز بين الورقة البيضاء
وجسدك الأبيض .
صعب أن أرسم حدوداً بين حالة الصبابة ..
وحالة الكتابة …

13
ليس هناك لغة عظيمة ..
بلا حب عظيم ..
فكوني حبيبتي ، حتى أستحق مجد الكتابة ..
فلا مجد لكاتب ، لا يعشق !! .

14
إنني أكتب القصائد الجيدة ..
لأنني عاشق جيد …
وإذا كانت لغتي تتدفق عافية ونضارة ..
فلأنها رضعت من ثدي امرأة !! ..

15
إن الكلام مع النساء حضارة ..
فإذا ذهبتِ ..
فمن يعلمني الكلام ؟؟ …

16
اللغة التي صنعتُ بها مجدي
هي من محاصيل أنوثتك ..
وتجليات جسدك ..
وثقافة نهديك اللذين يختصران تاريخ النحت …
وتاريخ العمارة ..

17
أنا لا أكتب شعري في المختبرات .
ولا أستنبته كالأزهار الصناعية ..
إن جسد حبيبتي .. هو الأرض الطيبة
التي أرمي فيها بذور كلماتي !! .

18
كلما بعثتُ برسالة حب إلى إحدى النساء ..
يعرش الورد على صندوق البريد !! .

19
لا بد لقصيدة الحب ..
من البقاء تسعة أشهر ..
أو تسعة أعوام .. أو تسعة قرون ..
في رحم امرأة ..
وإذا لم تكمِل مدة حملها ..
تحولت إلى طفل معاق ! ..

20
كل قصيدة ليس لها جذر نسائي
هي قصيدة من الخشب !! ..

21
كلما كتبت عن عطر امرأة ..
تصير رائحتي أطيب ..

22
كل لغة تعتبر نون النسوة عورة ..
وتاء التأنيث عورة ..
هي لغة متصحرة …

23
المرأة لا تحب الخطاب الصوفي .
ولا الشِعر العذري .. ولا الرسم التجريدي ..
ولا تريد ( كاميرات ) تصورها
من مسافة ألف سنة ضوئية ..
إنها تريد شعراء يعجنونها بالقرفة ، والزعفران ،
والبهارات الهندية ..
ويهبطون بالمظلات فوق قباب غرناطة ..
وبساتين الأندلس ..
ومضيق ( جبل طارق ) !! …

24
المرأة لا تريد محاضرة عن العشق …
ولكنها تريد العشق !! .

قصيدة لا ثقافة لرجل لا يعشق !! .. للشاعر الكبير نزار قباني

Originally posted 2018-08-17 03:03:52. Republished by Blog Post Promoter