لا تاريخ قبل عينيك

1
عندما كنت أسكن في جنيف
لم تكن تبهرني الساعات السويسرية
المطعمة بالحجارة الكريمة .
ولم أكن معجباً باللافتات التي تقول :
(( نحن نصنع الزمن )) .
متى يعرف صانعو الساعات ، يا حبيبتي
أن عينيك وحدهما
هما اللتان تصنعان الوقت
وترسمان خرائط الزمن ؟ ..

2
عندما كنت أذهب إلى موعدك
في لندن ،
أو في باريس ،
أو في البندقية ،
أو على شواطئ البحر الكاريبي .
لم يكن للوقت شكل ..
ولا للأيام أسماء ..
ولا للتاريخ تاريخ ..
كان التاريخ مجرد ورقة بيضاء
تكتبين فيها أي كلام تشائين ..
في الوقت الذي تشائين …

3
عندما كنت ألبس معطف المطر
وألبسك تحت معطف المطر ..
كان الوقت يتشكل على مقاييس أنوثتك .
فمرة ، يأخذ شكل قدميك الصغيرتين ..
ومرة ، شكل أصابعك المشغولة بالدانتيلا ..
ومرة ، شكل خواتمك ..
ومرة ، شكل حلقك الإسباني ..
ومرة ، يأخذ شكل دهشتي
وحجم جنوني …

4
قبل أن تصبحي حبيبتي
كان هناك أكثر من تقويم
لحساب الزمن ..
كان للهنود تقويمهم .
وللصينيين تقويمهم .
وللفرس تقويمهم .
وللمصريين تقويمهم .

5
بعد أن صرت حبيبتي ..
صار الناس يقولون :
السنة الألف ( قبل ) عينيها ..
والقرن العاشر
( بعد ) عينيها !!.

6
لا يهمني
أن أعرف ما هي الساعة في نيويورك
ولا ما هي الساعة في طوكيو
أو في تايلاند .
أو في طاشقند .
أو في جزر الكناري .
فعندما أكون معك ..
ينعجن الزمن ببعضه
وينعجن صلصالي
بحرارة مناطقك الاستوائية …

7
لا أريد
أن أعرف شيئاً عن تاريخ ولادتك ،
ولا عن مكان ولادتك ،
ولا عن تفاصيل طفولتك ..
ومراهقتك ..
فأنت امرأة من فصيلة الورود
و أنا لا أسمح لنفسي
بالتدخل في تاريخ حياة وردة …

8
علمتني شتاءات لندن
أن أحب مشتقات اللون الأصفر
وأن أتحمس لشحوبك الجميل
وهدوئك الجميل ..
ودشداشتك المغربية السوداء ..
وعينيك المسكونتين
بأسئلة الشعر …

9
في شتاءات لندن
يصير صوتك رمادياً ..
وكلامي رمادياً ..
وبريد الحب رمادياً …

10
لماذا ؟
إذا التصقت يداي بيديك
يوم الأحد .
تقرع على الفور
أجراس جميع الكنائس في العالم ؟؟

11
لا يمكن توقيتك ..
أو تعريفك ..
أو تصنيفك ..
أو تصويرك كباقي النساء
أنت فراشة خرافية
تطير خارج الأزمنة …

12
كل الساعات الثمينة
التي اقتنيتها قبل أن أحبك
توقفت عن العمل
ولم يبق في يدي
إلا ساعة حبك !! .

قصيدة لا تاريخ قبل عينيك للشاعر الكبير نزار قباني

Originally posted 2018-09-09 05:16:18. Republished by Blog Post Promoter