قراءة في نهدين إفريقيين

أعطيني وقتاً ..
كي أستقبلَ هذا الحب الآتي من غير استئذانْ
أعطيني وقتاً ..
كي أتذكرَ هذا الوجهَ الطالعَ من شجر النسيانْ
أعطيني وقتاً ..
كي أتجنبَ هذا الحبَّ الواقفَ في نصفِ الشريانْ
أعطيني وقتاً ..
حتى أعرفَ ما اسمكِ ..
حتى أعرفَ ما اسمي ..
حتى أعرفَ أين ولدتُ ,
وأينَ أموتُ ,
وكيفَ سأبعثُ عصفوراً بين الأجفانْ
أعطيني وقتاً ..
حتى أدرسَ حالَ الريح ِ ,
وحالَ الموج ِ ,
وأدرسَ خارطة َ الخلجانْ ..
* * *
يا امرأة ً تسكنُ في الآتي ..
يا حبَّ الفلفل ِ والرمانْ ..
أعطيني وطناً يـُنسيني كلَّ الأوطانْ
أعطيني وقتاً ..
كي أتفادى هذا الوجهَ الأندلسيَّ , وهذ الصوتَ الأندلسيَّ ,
وهذا الموتَ الأندلسيَّ ..
وهذا الحزنَ القادمَ من كلّ مكانْ ..
أعطيني وقتاً يا سيدتي
كي أتنبأ بالطوفانْ ..
* * *
يا امرأةً ..
كانوا كتبوها في كتب السحرْ
من قبلكِ كان العالمُ نثراً ..
ثم أتيتِ فكان الشعرْ
أعطيني وقتاً ..
كي أستوعبَ هذا النهدَ الراكضَ نحوي مثلَ المهرْ ..
كرويٌّ نهدكِ مثل النقطة فوق السطرْ ..
بدويٌّ .. مثل جبوبِ الهال ِ ,
ومثلَ القهوة فوق الجمرْ ..
وقديمٌ مثل نحاس الشام ِ ..
قديمٌ مثل معابد مصرْ ..
وأنا مهتمٌّ بالتاريخ ِ ,
وعصر ٍ يـُخرجني من هذا العصرْ
وأنا بدويٌّ .. أخزنُ في رئتي الريحَ ,
وأخزنُ في شفتي الشمسَ ,
وأخزن في أعصابي الثأرْ ..
فانكسري فوق سرير الحبِ , انكسري
مثل دواة الحبرْ ..
وانتشري .. كالعطر الهنديّ
فإني اللحمُ .. وأنتِ الظفرْ ..
* * *
أعطيني الفرصة َ ..
كي ألتقطَ السمكَ السابحَ تحت مياه الخصرْ
قدماكِ على وبر ِ السجادةِ .. حالة ُ شِعْرْ
ويداكِ .. على البطن المتحمس ِ للأطفال ِ ,
قصيدة ُ شِعرْ ..
أعطيني الفرصة َ ..
كي أكتشف الحدَّ الفاصلَ بين يقين الحبّ ..
وبين الكفرْ ..
أعطيني الفرصة َ ..
حتى أقنع أني قد شاهدتُ النجمَ
وكلمني سيدنا الخُضْرْ ..
* * *
يا امرأة ً .. يسقطُ من فخذيها البلحُ الأشقرُ ..
مثلَ النخلة في الصحراءِ ..
يتكلمُ نهدكِ سبعَ لغاتٍ ..
وأنا أحترفُ الإصغاءْ ..
أعطيني الفرصة َ ..
كي أتجنبَ هذا الحبّ العاصفَ ,
هذا الحبَّ الجارفَ ..
هذا الحبَّ الشتويَّ الأجواءْ
أعطيني الفرصة َ حتى أقنعَ , حتى أؤمنَ , حتى أكفرَ .
حتى أدخلَ في لحم الأشياءْ …
أعطيني الفرصة َ .. حتى أمشيَ فوقَ الماءْ ..
* * *
أعطيني الفرصة َ ..
كي أتهيأ قبل نزول البحرْ ..
فكثيفٌ ملحُ البحر العالقُ بين السُرة ِ .. والنهدين
وكثيفٌ سمكُ القرش القادمُ .. لا أدري من أينْ ؟
أعطيني الفرصة َ كي أتنفسَ ..
إن حشيشَ البحر خرافيٌّ تحت الإبطينْ
أعطيني الفرصة َ ..
حتى أقرأ حظـّي في عينيكِ المغلقتينْ ..
فأنا سيدتي لم أتعودْ ..
أن أتقمصَ في رجلينْ ..
* * *
يا ذات الوجه الإفريقيِّ , المأساوي , السنجابي ..
يا امرأة ً تدخل في تركيب النار , وفي تركيب الأعشابِ ..
أعطيني الفرصة َ كي أتهيأ ..
كي اتأقلمَ ..
كي أتعودَ ..
كي أتأكد من ماهية إعجابي ..
أعطيني عشرَ دقائقَ .. خمسَ دقائقَ ..
حتى يهدأ زبدُ الجنس ِ , وتهدأ حربُ الأعصابِ ..
* * *
أعطيني الفرصة َ كي أرتاحَ ..
وعند الفجر , سأعطيك ِ جوابي ..

قصيدة قراءة في نهدين إفريقيين للشاعر الكبير نزار قباني

Originally posted 2018-09-02 19:04:34. Republished by Blog Post Promoter