رسالتك , في صندوق بريدي , فلة ٌ بيضاء

رسالتك , في صندوق بريدي , فلةٌ بيضاء
حمامة ٌ أليفة ..
تنتظرني لتنامَ في جوف يدي .
فشكراً لكِ يا سخية َ اليدينْ ..
شكراً على موسم الفـُل …
*
تسألين :
ماذا فعلتُ في غيابك ؟
غيابكِ لم يحدثْ .
ورحلتكِ لم تتم .
ظللت أنت وحقائبك قاعدة ً على رصيف فكري
ظلَّ جواز سفرك معي
وتذكرة ُ الطائرة في جيبي ..
*
ممنوعة ٌ أنتِ من السفرْ ..
إلا داخلَ الحدود الإقليمية لقلبي ..
ممنوعة ٌ أنتِ من السفرْ ..
خارجَ خريطة عواطفي واهتمامي بك ..
أنتِ طفلة ٌ لا تعرف أن تسافر وحدَها ..
أن تمشي على أرصفة مدن الحبّ .. وحدَها .
تسافرينَ معي .. أو لا تسافرينْ ..
تتناولينَ إفطارَ الصباح معي ..
وتتكئين في الشوارع المزدحمة على كتفي .
أو تظلين جائعة ..
وضائعة ..
رسالتك في صندوق بريدي
حزيرة ٌ ياقوتْ ..
وتسألين عن بيروتْ ..
شوارعُ بيروت , ساحاتها , مقاهيها , مطاعمها ,
مرفأها . بواخرها .. كلها تصبُّ في عينيكِ
ويوم تغمضين عينيكِ ..
تختفي بيروتْ .
لم أكن أتصور من قبل ..
أن امرأة تقدر أن تعمرَ مدينة ..
أن تخترعَ مدينة ..
أن تعطي مدينة ً ما ..
شمسها , وبحرها وحضارتها ..
إذا أتحدث عن المدن والأوطانْ ؟
أنت وطني ..
وجهكِ وطني ..
صوتكِ وطني ..
تجويف يدك الصغيرة وطني ..
وفي هذا الوطن ولدتُ ..
وفي هذا الوطن ..
أريدُ أم أموت …
*
رسالتك في صندوق بريدي
شمسٌ إفريقية ..
وأنا أحبك .
على مستوى الهمجية أحبك ..
على مستوى النار والزلازل أحبك ..
على مستوى الحمّى والجنون .. أحبكِ
فلا تسافري مرة ٌ أخرى ..
لأن الله – منذ رحلتِ – دخل في نوبة بكاء عصبية ..
وأصربَ عن الطعام ..
رسالتكِ في صندوق بريدي ..
ديكٌ مذبوحْ ..
ذبحَ نفسه . وذبحني ..
أحبّ أن يكون حبي لكِ على مستوى الذبحْ
على مستوى النزيف والإستشهادْ ..
أحبّ أن أمشي معك دائماً
على حد الخنجرْ ..
وأن أتدحرجَ معكِ عشرة َ آلاف سنة
قبل أن نتهشـَّم معاً على سطح الأرض ..

قصيدة رسالتك , في صندوق بريدي , فلة ٌ بيضاء للشاعر الكبير نزار قباني