حوار مع عارضة أزياء

نزار قباني ديوان هل تسمعين صهيل أحزاني ؟

1
كم أنت ، يا سيدتى ، بسيطة وطيبة
ما زلت تبحثين فى ذاكرتى
عن ياسمين قرطبة
وعن حمام قرطبة
وعن نساء قرطبة
ما زلت تبحثين عن رائحة النعناع ،
فى عباءتى المقصبة
ما زلت تبحثين ، يا سيدتى
عن وردة جورية زرعتها فى عروتى
وقطة شامية خبأتها فى معطفى
قبل فراق قرطبة ..

2
كم أنت ، يا سيدتى ، جميلة
لكن بغير تجربة ..
يا امرأة ليس لها علاقة
بالعصر .. أو بالوقت ..
أو بالبرد .. أو بالحر ..
أو بالحزن .. أو بالموت ..
أو بالمدن المقهورة ، المسحوقة ، المعذبة
يا امرأة ليس لها علاقة
بكل ما يحدث من زلازل
فى خارج الغرفة ،
أو فى روحى المضطربة ..

3
يا امرأة ..
شديدة الهدوء والتهذيب ،
كم تضجرنى الأنوثة المهذبة
يا امرأة ..
تطالع الأخبار كالسائحة المغتربة ..
انفعلى
تحسسى
تفجرى
تذمرى
لا تجلسى على سرير الحب ،
مثل الحطبة ..

4
يا امرأة .. أحبها حيناً
ولا أحبها حيناً ..
فلا تستغربى تناقضى ، وقسوتى
أيتها القرنفلة ..
يا امرأة .. ليس لها هواية يومية
سوى قياس صدرها .. وخصرها ..
وشهوتى المؤجلة ..
يا امرأة .. ليس لها مشكلة
سوى الدخول فى دمى
أو الخروج من دمى
الله .. ما أصغرها من مشكلة !!

5
يا امرأة .. تختصر النساء والأنوثة
ماذا ترانى فاعل ؟
بالنهد فى شموخه ..
والشعر فى جنونه ..
والشفة الغليظة الملتهبة ؟
ماذا ترانى فاعل ؟
بالشمع .. والرخام .. والفيروز .. والياقوت ..
والأزهار .. والثمار .. والحدائق المعلقة ؟
هل ممكن أن أفصل الحب عن التاريخ
يا سيدتى ؟
هناك ، يا سيدتى ، أسئلة
ليس لهن أجوبة ..

6
يا امرأة .. تريد أن أحبها
على رماد العصر ، والتاريخ ،
والحضارة المخربة ..
يا امرأة تريد أن أحبها
فوق ركام قرطبة
ماذا بوسع الشعر أن يفعله ؟
فى مدن الثقافة المعلبة ..
واللغة المعلبة ..
ماذا بوسع الحب أن يفعله ؟
فى وطن ، أبوابه خائفة
أشجاره خائفة
جدرانه خائفة
حدوده مكهربة …

7
قرطبة ؟؟
يا ليتنى أعرف ، يا سيدتى
أين تكون قرطبة ؟
خرائطى عتيقة
بوصلتى مكسورة
أشرعتى مثقوبة
حريتى مستلبة …
من نصف قرن ، وأنا
أقيم فى حقائبى
أنام فى حقائبى
أرتشف القهوة فى حقائبى
وما وصلتُ قرطبة …

8
يا امرأة .. تعيش فى إجازة طويلة
لا تسألى :
( أين ترى ، سنلتقى ثانية ؟ )
هناك ، يا سيدتى ، أسئلة
ليس لهن أجوبة ..
من نصف قرن ، وأنا منتظر
رسالة تجيئنى من ياسمين قرطبة
فلا خطاب جاء من غرناطة
ولا خطاب جاءنى من قرطبة
ما مرة .. دخلت فيها وطنى
إلا شعرتُ أننى بضاعة مهربة !!

قصيدة حوار مع عارضة أزياء للشاعر الكبير نزار قباني

Republished by Blog Post Promoter