حوارٌ أبوي .. مع طفلة كبرت

1
لن أطلب منك بعد اليوم
أن تعطيني نبذة عن سيرتك الذاتية
فسيرتك الذاتية أكتبها أنا ..
بحبري أنا ..
بدمي أنا ..
وأعلقها كَــثـُرَيَّا من الكريستال
على سقف القمر ..

2
لا يعنيني .. أن أدخل في تفاصيل أنوثتك ..
فأنوثتك من الألف إلى الياء
من حياكة أصابعي ..
ثم لا يعنيني أن أعرف ما هو اسمك ؟ .
ومتى وُلدتِ ؟ وأين وُلدتِ ؟
فولادتك الحقيقية تمت على يدي .
وخطواتك الأولى كانت فوق أضلاعي .
وكلماتك الأولى مشتقة من قاموسي .
وأسنانك الحليبية
كانت تقوى كلما انغرزت بلحمي !! ..

3
لن أسألك ..
من هو أول رجل كتب إليك رسالة حب ؟ …
وفي أي عام تخرجتِ من كلية الآداب ؟
وفي أي عام تخرج نهداك من مدرسة الياسمين ؟
وما هو لون الثوب الذي لبسته في حفلة التخرج ؟
لن أطرح هذه الأسئلة الساذجة
لأنني لستُ مسؤولاً عن محاكمة العصافير ..
واستجواب الورود …

4
لا أريد ..
أن أتجاوز الخطوط الحمراء
لأسألك عن محيط خصرك ..
ومقاييس حمالة نهديك ..
ومستوى ارتفاع تنانيرك عن سطح البحر ..
وعدد الشامات المرشوشة على ظهرك ..
فأنا لا أريد أن أكشف الوجه الثاني من القمر ..
ولا أن أحصي كل أشجار الغابة ..
ولا أن أعري جسد القصيدة ..
فأنت واحدة من أهم أعمالي الشعرية ..
ولم يسبق لي أبداً
أن قمتُ بشرح قصائدي .

5
لا أريد
أن أدخل في تفاصيل البياض
ومتاهات الياسمين .
لأن كتاب الأنوثة
– كديوان الشعر –
لا يُقرأ في جلسة واحدة ..
ولا في ليلة واحدة ..

6
لا أريد أن أسألك عن الشعر
فهو معجون بك ..
كما أنت معجونة به ..
ولا عن الكحل الذي تضعينه على أهدابك
حتى يولد الليل من النهار ..
ولا عن شاعرك المفضل ؟
والقصيدة التي تتغرغرين بها قبل أن تنامي .
لا أريد أن أمطرك بأسئلتي
فأسئلة الشعر لا تنتهي ..
والرحيل في عيون النساء
رحيلٌ لا ينتهي …

7
لا أريد أن تفتحي لي ألبوم طفولتك
لأرى صورتك في سن العاشرة ..
ففي سن العاشرة ،
كنت قصيرة الشعر .. وصبيانة الملامح ..
وكانت تنانيرك المدرسية طويلة .. وشديدة الأصولية .. .
وقتئذ .. لم تكوني مليكة جمال ..
ولا حورية من حوريات البحر ..
كانت أعضاؤك ملتبسة ..
وصوتك ملتبساً ..
ومشيتك ملتبسة ..
وكان نهداك .. كوكبين في علم الله !! ..

8
ماذا أفعل بك في سن التاسعة .. أو العاشرة ..
أو الحادية عشرة ؟
ماذا أفعل بسن القلق ، والطيش ، والتحولات ؟
إنني أحبك الآن ..
بعمرك الآن .. بشكلك الآن .. بنضجك الآن ..
بحواراتك اليومية الباهرة ..
إنني أحبك الآن ..
بعدما صار العنب عنباً ..
والنحاس ذهباً ..
وبعدما صارت القيلولة معك على فراش واحد ..
حدثاً حضارياً نادراً ..
في تاريخ الحب العربي !!

قصيدة حوارٌ أبوي .. مع طفلة كبرت للشاعر الكبير نزار قباني