الحب في غرفة التخدير

1
لا تسمعي أبداً كلامي
ما عاد عندي ما أقدمه إليك
فأطفئي الأنوار – سيدتي
ونامي . . .
صار الكلام مفخخاً . .
والقلب صار مفخخاً . .
والحب صار مفخخاً أيضاً . .
فما جدوى كلامي ؟
لغتي بلا لغة
وهذا العصر يرفض ما يقول العاشقون
ويرفض ما يقول الأنبياء
ويرفض ما تبقى
من سلالات الغرام . .
أنا حالة في الحزن نادرة
ووجهي ضائع كالطفل
في هذا الزحام
إن النساء تكسرت فوق النساء
فلا أرى امرأة ورائي
أو أرى امرأة أمامي . .

2
نامي قليلاً . . أو كثيراً . . لا يهم
فإنني ما عدت مكترثاً
بجمع القطن عن نهديك . .
أو زغب الحمام . .
تعبت يداي . .
فلست أعرف كيف يجتمع النبيذ . .
مع الحليب . .
مع القطيفة والرخام . .
من غير وعد سابق
أو كيف ترتفع المدينة , والشوارع , والمقاهي .
والمراكب في البحار , إلى الغمام . . .

3
نامي . . ولا خوف عليك
فإن أظافري انكسرت جميعاً في الحروب
وشهوتي مدفونة تحت الركام
نامي . .
لأكتب أي شيء . .
أو لأقرأ أي شيء . .
أو لأضحك . .
أو لأبكي . .
أو لأصرخ . .
أو لأحرق أي شيء . .
أو لأكسر أي شيء . .
أو لأركض عارياً تحت الظلام . .
نامي . .
لعل النوم يفتح باب ذاكرتي . .
ويشفيني قليلاً من فصامي . .
نامي . .
لكي أسترجع الأسماء . .
والأشياء . .
والأشجار . .
والأعشاب . .
والألعاب . .
والكتب التي أحببتها يومآ
ونارنج الشام . . .

4
نامي . .
لأجلي مرة . . أو لا تنامي . .
نامي , لأعرف هل أحبك ؟
أم أحب الشعر أكثر . .
أو لأعرف ما المسافة
بين موسيقى يديك . .
وبين موسيقى اليمام
نامي , لأعرف أي شيء عن تفاصيل الطريق
وعن تضاريس الأنوثة . .
واحتمالات المطر . .
نامي . . لأسند مرة رأسي
على كتف القمر . . . .

5
لا تسمعي . . ما قلت , أو سأقول
إن مساحة الأحزان
أكثر من مساحات الكلام
الصوت يمضغ صوته
والوقت يمضغ وقته
والشِعر يمشي حافياً فوق الحطام
إني أحاول أن أغير كل عاداتي القديمة
في الحديث مع النساء
وأن أغير ما تبقى من يدي . .
ومن عظامي . .
وأنا أحاول . .
أن أسافر من سلالاتي
وأهرب من زواج بنات أعمامي . .
وأكنس كل هذا الرمل عن جسدي
وأقلع من غلاف القلب . .
أوتاد الخيام . . .

6
استيقظي . .
استيقظي . . .
من قال إني قد سألتك أن تنامي ؟
أنا خائف من كل ما حولي
ومن نفسي
ومن عصر التلوث , والبشاعة
والجريمة , والسخام . .
أنا خائف من ذلك العصر الذي
يخشى هبوب العطر
أو يخشى انبثاق النهد . .
أو يخشى مكاتيب الغرام . .

7
استيقظي . .
استيقظي . .
إني لأبحث منذ آلاف السنين
عن السلام . . .
وما وجدت سواك
عاصمة السلام . . .

قصيدة الحب في غرفة التخدير للشاعر الكبير نزار قباني