التانغو الأخير فوق حقل من التوليب الأحمر ..

1
كنتِ ..
في أحسن حالاتك – يا سيدتي – هذا المساءْ
كان نهداكِ ..
يذيعان بلاغ الثورة الأولى بتاريخ النساء
ويقودان انقلاباً ضد كل الخلفاء ..
كان في عينيكِ غيمٌ أسودٌ ..
وبدايات شتاءْ ..
ونبوءات جميع الأنبياءْ …

2
لم تكوني امرأة عادية ..
في ذلك اليوم الشتائي الذي يحكمه الكونياك ..
والقهوة .. والجنس .. وإيقاع المزاريب ..
وموسيقى المطر ..
كنتِ جمراً كنت فحماً
كنتشيئاً لا يسمى ..
لم تكوني دمية محشوة بالقطن .. مثل الأخرايات
كنتِ وحشاً رائع الجلد جميلاً ..
لم تكوني نسمةٌ من نسمات الصيفِ ..
لكن كنت زلزالاً مهولا.
لم تكوني زهرة من ورقٍ ..
بل حصاناً .. يمضغ الشرشف شوقاً وصهيلا ..

3
كان تشرينُ بلا عقل ..
وكان العشبُ متروكاً على فطرته الأولى ..
وماري , تصنع الحب على فطرتها الأولى ..
وكانت تتهجى جسدي حرفاً فحرفا ..
دونَ أن تخطئ في تشكيل كل الكلمات
ربما الكونياك قد ثقف ماري ..
فهي تختار أرق المفردات .
ربما الكونياك قد علمها ..
أن في إمكان نهديها احتلال الكائنات
هذه الليلة , يا ماري , سأبقى صامتاً
فالبراندي , هو سلطان اللغاتِ ..

4
كنتِ في أخصب أيامكِ, يا ماري,
وكانت أنهر الياقوت تجري بهدوءٍ ..
والأزاهير تغطي كل أنحاء السرير ..
لم تكوني امرأة مذعورة .. أو خائفة
كنت سكينا بقلب العاصفه
شربت سجادة الموكيت , يا سيدتي , نصف دمي
وأنا اقتطفُ التوليب مبهوراً ..
وأحسو المطرَ الوردي من أعلى الينابيع ِ ..
وأكوي بالبراندي شفة الجرح ..
ولا أحسبُ للنار حسابْ ..
آهِ .. يا ماري التي تفتح لي أساورها مثل الكتاب
لم يعد عندي ما أقرؤه .
فأنا آتٍ من الأرض الخرابْ ..

5
آهِ .. يا ماري التي تلبس لي
في أول الليل قميصاً معجزه ..
وإذا ما انتصف الليلُ ..
قميصاً معجزه ..
كيفَ صارَ الزغب الطالع من إبطيكِ ..
أسلاكَ حريرْ ؟
آهِ .. يا ماري التي تحفرني في بطنها العاري
كجرح مستديرْ ..
يا التي أزرعُ في أحشائها ..
السيف الأخيرْ ..

6
أحرقَ الكونياك أعصابي ..
وفي عينيكِ برقٌ .. ورعودٌ .. ومطر
وقلوع .. واحتمالات سفرْ
لم أكن أدرك ما يجري تماماً ..
غير أن الأرض كانت تحتنا تهتز ..
والجدران , والأبواب , والأكواب , واللوحات,
والأشجار , والأوراق في الريح تطيرْ
لم أكن أسمعُ إلا جرس القرية في الليلِ ,
وإلا وقع أقدام على الثلج ,
وإلا صرخة الأنثى التي تشغل النار بقلب الزمهرير
آهِ .. يا ماري التي تشرح لي كل شي .. مثل
تلميذٍ صغيرْ.
أنت منفاي النهائي .. ومينائي الأخير
افسحبيني من يدي ..
قبل أن يبلعني البحر الكبير ….

قصيدة التانغو الأخير فوق حقل من التوليب الأحمر .. للشاعر الكبير نزار قباني