إلى امرأة تحت الصفر …

1
باردٌ حبكِ .. كالقطب الشمالي
فلا تستغربي مني برودي ..
باردٌ عقلك .. كالنصل النحاسي
فلا تبكي بروقي ، ورعودي .
لم أعد أعرف من أنت ..
بعلم الكيمياء ؟
مِن نحاس أنت .. أم من خشب ..
أم من حديد ؟
فاعذريني ، إن تمردتُ على أمر الهوى
فأنا لا أصنع الحب بتاريخي
على لوح جليد !! ..

2
كل شيء فيك ، تحت الصفر ، يا سيدتي .
من أعالي الرأس ، حتى القدمين ..
من روابي النهد ، حتى الركبتين ..
كل ما تبصره عيني ..
قماشٌ .. وخِرَق ..
كل ما تلمسه كفي
فتافيت ورق …
كل شيء في كواليس الهوى
باهتٌ .. أو شاحب .. أو كاذب ..
أو بين بين …

3
أبيضٌ صوتك كالثلج ..
وإني أكره الثلج الذي
يسقط من صوت النساء ..
أكره الصوت الحيادي الذي
ليس في أوتاره حب ولا كره ..
ولا غيم ولا صحو ..
ولا موج ولا بحر ..
ولا برق ولا رعد ..
ولا بحة مزمار ..
ولا قطرة ماء …

4
مضجرٌ صوتك ، يا سيدتي ، حتى العَيَاء ..
فهو منفى آخرٌ ..
واغترابٌ آخرٌ ..
ورحيل آخر دون رجاء .
وأنا أرجف من بردي ، ومن خوفي ،
ومن شدة إحباطي ..
ولا أدري إلى أين المصير ؟

5
مالحٌ صوتك ، يا سيدتي .
فهو لا يحمل شيئاً من غوايات الأنوثة ..
وارتعاشات الحرير .
وهو لا يصلح للشعر ، ولا يصلح للنثر ..
ولا يوقظ شهواتي .. وشهوات السرير ..
كيف يا سيدتي أكتب شِعراً ..
تحت هذا الزمهرير ؟؟

6
افتحي ثلاجة الحب ..
التي عشتُ كأسرى الحرب فيها
منذ أعوام طويلة ..
فأنا اشتقتُ إلى جسمي .. إلى صوتي .. إلى حريتي ..
وإلى رائحة الأنثى .. وإحساس الرجولة ..
وإلى العشب الذي كان يغطي جسدي ..
وإلى أخبار عفراء ولبنى ..
وإلى ورد الشفاه المستحيلة ..
وإلى الشِعر الذي علـَّقته ..
قمراً من فضة ..
في سماوات القبيلة …

7
أرجعي لي .. وجع الإبداع يا سيدتي
والأعاصير التي كانت تغني في عيوني .
أرجعي لي قلقي .
وانسكاب العرق .
من مسامات جبيني …
أرجعي كل حماقاتي ..
وثوراتي ..
ونوبات جنوني ..
لن تكوني امرأة يذكرها التاريخ ..
إن لم تشربي
من ينابيع جنوني !! …

8
يا التي تجلس في القطب الشمالي .. على إيوانها .
من ترى يقنعني أنك أنثى .. لا حجر ؟ ..
من ترى يقنعني ؟
أن غاباتك ملأى بالعصافير .. وملأى بالشجر ؟ ..
من ترى يقنعني ؟
أن أعضاءك ترمي في شهور الصيف أنواع الثمر ؟
من ترى يقنعني ؟
أن نهديك يدوران على نفسيهما
مثل دورات القمر ؟؟ .

9
إنني في متحف الشمع .. أنادي في الدهاليز ،
ولا أسمع في أرجائها أي جواب .
أسمعيني جملة واحدة .. قصة واحدة ..
قبليني قبلة واحدة ..
قبل أن أحرق أوراقي .. وبيتي .. وثيابي …

10
يا عروس الشمع .. إني صرتُ شمعاً ..
وأنا أحفر أشعاري على نهديك ليلاً ونهارا .
كلما حاولتُ أن أدخل في أي حوار
في شؤون الحب .. أجهضتِ الحوارا ..
كلما حاولتُ أن أقنع نفسي
أنني أجلس قرب امرأة ..
لم أجد في جانبي إلا جدارا !! .

قصيدة إلى امرأة تحت الصفر … للشاعر الكبير نزار قباني

Republished by Blog Post Promoter